شهادة الناشطة الحقوقية الصحراوية

والمختطفة السابقة "فاطمة عياش"

عضو تجمع المدافعين الصحراويين عن حقوق الإنسان

CODESA

 

 يقول أحد الكتاب العرب: "التجربة الأصعب من السجن هي الخروج منه والقدرة على التعايش مع المجتمع والحفاظ على المبدأ والعقيدة والقضية التي ندافع عنها "

 

اسمي فاطمة أمبارك محمد عياش من مواليد 1968 بالعيون / الصحراء الغربية متزوجة وأم لفتاة أسمها "الحلة الشرفي" (19 سنة) وابن صغير اسمه " عبد العزيز البشراوي " (7 سنوات).

 أنتمي لأسرة صحراوية عانى جل أفرادها من انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان على مدى فترات طويلة ، و ذلك على يد جلادين ينتمون لمختلف الأجهزة الأمنية التابعة للدولة المغربية.

 تعرضت للاختطاف و الاختفاء القسري والتعذيب الممنهج إلى جانب مئات الصحراويين الذين كانوا يستعدون للتظاهر سلميا بمدينة العيون /الصحراء الغربية للمطالبة بتقرير مصير الشعب الصحراوي بمناسبة زيارة بعثة تقنية تابعة للأمم المتحدة سنة 1987م.

 فبتاريخ 20/11/1987 و على الساعة الواحدة ليلا تمت مداهمة منزل عائلتي الكائن بشارع الحزام بالحي الصناعي بالعيون /الصحراء الغربية بأكثر من 07 عناصر من الشرطة المغربية بزيهم المدني و الذين عبثوا بممتلكاته مستعملين العنف ضد أفراد العائلة الذين كانوا نياما ساعتها ، خاصة أمي "السالكة عبد الفتاح الوالي" البالغة من العمر آنذاك 36 سنة) ، مما خلف رعبا شديدا لدى جميع أفراد أسرتي.

  سحبت من غرفتي تحت وابل من الركل والضرب والشتائم ؛ ولكم أن تتصوروا إنسانا يغط  في نومه يجد نفسه فجأة وسط هذا الصخب المتناقض ، لم أكن أدري ماذا حل بي ، لأجد نفسي مرغمة على الإنحناء على ركبتي بين أحدية الجلادين داخل سيارة من نوع لاندروفير وهي تلف شوارع وأزقة المدينة الغاطة في النوم، لمدة طويلة، ناهيكم عما صاحب هذه الفسحة من سباب وضرب وكلام ساقط .

 ولما توقفت السيارة ،خلت أن المعاناة انتهت ،غير أن رحلة من فصول أخرى اشد وأفظع بدأت ، كانت تلك  بداية الاستنطاق ، إنه الترحاب على طريقة من لم تسكن قلبه  الرحمة  يوما، السادية في كل شيء، انتقاء الكلمات النابية وكرابيج من كل الأنواع ، الشتائم التي لا تتوقف والضرب المبرح في وضعيات مختلفة تدوس كل إحساس بالآدمية والكرامة . 

  لأكثر من ثلاثين ساعة خلت أن عد الزمن قد تلاشى ،لم اعد أعي شيئا مما أنا عليه كانت تلك حفاوة الإستقبال وكل ما فقدت وعيي أستفيق على صفعات متتالية على خدي ،وسكب الماء المتسخ على رأسي وجسدي ، وعندما كنت  أستفيق من غيبوبتي تخترق أذناي صيحات وأنين ، عرفت فيما بعد أنها أصوات أبناء جلدتي تحت سياط الجلادين الجبناء.

  لقد كان همهم الوحيد أن ينتزعوا مني اعترافات بشأن ما كنا نخطط له ونتظاهر من أجله ، يداي مغلولتان إلى الوراء و عيناي معصوبتان والألم ينخر جسدي ، وفوق كل هذا  يتم تهديدي بالإغتصاب في كل مرة ، ولكم أن تتصوروا كيف يستفيق الآدمي على تهديده بالإغتصاب ...أن يسمع الألفاظ التي تخدش الحياء وأن يتعرض لكل صنوف التعذيب ،لكن أن تدنس عفته  ،فالأفضل له أن لا يستيقظ من غيبوبته مطلقا لأن الموت يصبح أحب إليه من الحياة .

 والأنكى من كل هذا أن تدرك بعد مدة طويلة من الإستنطاق أن كل ما يحدث لك  من تعذيب ويردد على مسامعك من سباب وإهانات مع التهديد بالإغتصاب ،يحدث لك رفقة خمسة من أفراد عائلتك يكبرونك سنا ،وهم الذين لقنوك في أوساطهم المحافظة معاني الحياء والعفة.

 يا للعار!... إنه الخزي بعينه ،عرفت أن خالات أمي خويديجة والسالكة عياش وابن هذه الأخيرة محمد الخليل عياش وخالي عالي عباش وابن عمي لغضف عياش ،شركائي في هذا التعذيب الممنهج واللا إنساني .

 لقد وصلت وقاحة وسادية الجلادين والمحققين حد نزع العصابة من على عيني لأرى خالي " عالي عياش" وقد جرد من ملابسه تماما ... لقد كان في حالة خطيرة جراء ما تعرض له من تعذيب وحشي ....  بدا وجهه منتفخا ... و كانت قواه منهكة ... وكان يجد صعوبة كبيرة في الكلام...

 أرغمت على رؤيته و قد جرد من إنسانيته في محاولة للنيل من قيمنا و أخلاقنا كصحراويين أولا وقصد تخويفي وترهيبي ثانيا، و بإلتفاتة مني إلى مكان تواجدنا كان الوضع قاتما وأشد قسوة ومرارة ،تكومات بشربة هنا و هناك منهكة القوى وثياب مملوءة بالقيء والدماء والروائح النتنة تفوح من كل جانب وعدة الجلادين ونزقهم تزيد المكان رهبة وذعرا ،حينها أدركت هول الكارثة لقد كنا أكثر مما كنت أتصور.

 بعد جلسات التعذيب الأولي هاته تم نقلي رفقة مجموعة من المختطفين إلى أمكنة متفرقة ونحن مكبلي الأيدي ومعصوبي الأعين وسط حراسة مشددة مصحوبة بتعليمات صارمة فرضت علينا الإلتزام بالصمت وعدم نزع العصابات، مع الحرمان من النوم والأكل والشرب وقضاء الحاجة طوال مدة الاستنطاق كما ظل الضرب المبرح ملازم لنا في هذه الرحلة .

 ولم يدم الوقت طويلا حتى سقت مجددا للإستنطاق حول مواضيع تخص أعلام جبهة البوليساريو وكيف توصلت بها وما الدافع وراء التظاهر وعن المنسقين وعن الخلايا التنظيمية، وأمام تعنتي كنت أخضع للتعذيب الهمجي، كالضرب المبرح على المناطق الحساسة والكي بالسجائر ونفث دخانها على وجهي الذي لم يسلم من البصق والضرب إلى حد فقدان الإحساس .

 كنت أفقد الوعي مرارا وما إن استيقظ حتى أخضع للإستنطاق مجددا مع ما يصاحب ذلك من ضرب وسباب وتنكيل وسكب للمياه الباردة الملوثة على جسدي ومع مرور الوقت لم أعد أتذكر ما قلته وما لم أقله وفقدت الشعور بالزمان والمكان.

 بعد فترة التعذيب الثانية تم نقلي رفقة مجموعة من المختطفين الآخرين بعد تكديسنا في سيارة واحدة قادتنا إلى منطقة قريبة من البحر،عرفت فيما بعد أنه المخبأ السري المعروف "  بثكنة البير"   بالعيون/الصحراء الغربية.

 تم توزيعنا على غرف كنا نعاني فيها الإكتظاظ و نمنع من النوم والكلام والحركة ، إضافة إلى سوء التغذية وانعدام العلاج، كما أستمر مسلسل الاستنطاق والتعذيب ،الأمر الذي دفع غالبيتنا للهذيان وفقدان الذاكرة...

 أذكر هنا ما وقع ل " محمد الخليل عياش"  الذي مازال مصيره مجهولا حتى الآن و الذي تعرض للتعذيب طيلة احتجازنا بهذا المخبئ السري بالقرب منا ومن أمه وأمنا جميعا "السالكة عياش" التي كانت تعاني الأمرين، عذابها الشخصي وعذاب فلذة كبدها.

 كنا نسمعهم يقولون له: " قل عاش الملك، قل يا ابن الكلبة الصحراء مغربية..."، فكان مصرا على الرفض، متحديا جبن الجلادين بصبره و قوة إيمانه بعدالة قضيته ، ليتم رميه في مكان متسخ كنا كمختطفين نستعمله لقضاء الحاجة، هناك  كان الحراس يدسونه بأقدامهم المتسخة، وكانوا يجبروننا نحن كذلك على فعل الشيء نفسه كشكل من أشكال الانتقام منه و منا بسبب تشبثه بمواقفه المبدئية.

 لقد ظل " محمد الخليل عياش" على هذا الحال ونحن لا نملك شيئا لمساعدته، كانت أمه تكابد بجلد أنينه الذي يكسر صمت المكان ورهبته ،ويوحي لإمه ولنا بالمقاومة والتشبث بالحياة متحديا غطرسة الجلادين الجبناء الذين يربدون إخماد أنفاسه إلى أن تلاشى الأنين ولم يعد المكان متسعا له و لعذابه .

 اختفى " محمد الخليل عياش"، أضحى مصيره مجهولا مثل مئات الصحراويين الذين غيبتهم قسرا غياهب السجون وظلمات المخابئ السرية المغربية ....

 أمه التي لم تستطع أن تتعايش مع هذا الوضع... عاشت أزمة نفسية حادة دامت سنوات طوال خلال و بعد إطلاق سرحنا و مازالت إلى الآن تعاني نفس المعاناة و تنتظر معانقة إبنها في كل لحظة.

 بعد قضائنا لفترة من الزمن بالمخبئ السري المعروف ب "ثكنة البير" تم إرجاعنا في وضعية كارثية بعد أيام من التعذيب المتواصل إلى المخبئ السري السيئ الذكر "بيسي سيمي"، حيث تم عزلنا نحن النساء في زنزانة واحدة بعد الإفراج عن 07 منا، كانت من بينهن " افطيمة منت اسعيد" التي اختطفت وهي أم لرضيع لم يتجاوز عمره الشهرين، والتي كابدت ألام تعذيب الجلادين بالصبر والمقاومة علها تعاود احتضان رضيعها الذي تركته مرغمة للمجهول ، وهي التي كنا نتألم لحالها ونتناوب بعد توسل واستعطاف الجلادين على رضاعة ثدييها المنتفخين من كثرة الحليب وعدم قدرتها على إفراغهما والتي كانت تتوق في صمت لأن يكون حليبها ملكا لذلك الرضيع المفتقد .    

 و مثل ما هو الحال مع "افطيمة منت اسعيد" كانت المعاناة أشد وأفظع في حالة رفيقتنا "إيكة العالم " التي أصيبت خلال اختفائنا بمرض أدى بها إلى فقدان الذاكرة وظلت تهدي وهي ملقاة على الأرض لمدة طويلة لا تجد من يسعفها إلى أن تساقط  اللحم من جسدها،رغم كل توسلاتنا واستجدائنا الجلادين لنقلها للعلاج،فإنهم كانوا يردون علينا بغطرستهم وساديتهم المعهودة : "أنتن هنا من أجل أن تموتن، موتا بطيئا...".

 كان جزء من سقف الغرفة مكشوفا ، و كنا من خلاله عرضة للبرد والجوع والقهر وانعدام أبسط شروط الحياة ،من ملبس وغطاء وفراش ... خلال فترة اختفائنا التي دامت زهاء الأربع سنوات.

 لقد اختطفت وعمري لا يتجاوز 17 سنة... كنت امرأة مطلقة وأم لطفلة لا يتعدى عمرها سنة وشهرين  عزيزتي " الحلة الشرفي" وأمام حداثة سني ،كيف كان لي أن أمارس أمومتي وأنا حرة ،  فكيف الحال  وأنا مغيبة أكابد التعذيب والقهر ليل نهار في مخابئ سرية محرومة من وليدتي إلا في المتخيل الذي كان يزيد ني عذابا .

 كان تفكيري في جل الأوقات منشغلا بها ، تنتابني الهواجس في كونها تعرضت هي الأخرى للاختطاف  ، كان الألم يحرق قلبي ويعتصرني ، يداي مكبلتان لكنني أحضنها في المتخيل وأضمها إلى صدري ،وأداعب شعرها الرقيق .كانت ملاكي الحلة تعينني ببراءتها على تحمل عنف الجلادين...

 كانت حاضرة معي ، أنسى العالم من شدة ألمي...تحرقني الأسئلة ليلة نهار ما مصير ابنتي؟ أين هي؟ هل تشكو الجوع؟ هل نامت؟...

 الصمت المطبق على المكان يحولني إلى شعلة من حب متدفق ولهيب محرق لا تدركه غير الأمهات ...تصوروا أن يحول المرء بخياله صوت خطوات الجلادين جيئة وذهابا إلى معزوفة يغنيها لصغيرته ويهدهدها حتى يداعب أجفانها النوم ،أن يحول أنين المرضى والمصابين من المختطفين إلى مثاغاة تصدر عن صغيرة ستكتشف العالم ولغته في حضن أم فخورة ومبتهجة بعالم الأمومة....

 كنت أحيانا أتخيلها تمشي، تتعلم النطق ، تبكي ، تبتسم، تتقرب مني وتناديني (أمي، أمي..)، فكان ذلك يزيدني آمالا في الحياة، وكنت أحيانا أتخيل نفسي طفلة أحمل إسمها ، أمارس طفولتها البريئة، على الأقل من أجل أن أواسي نفسي و أمنيها بأن ابنتي لازالت على قيد الحياة.

 كم كانت معاناتي شديدة وأنا أفكر في ابنتي "الحلة" ، كم كانت المأساة تتعمق ونحن لا نتكلم، لانتحرك، لا نستفيد من العلاج و من الزيارة و لا نخرج إلى الفسحة.... نأكل و نشرب في أواني متسخة ، نفترش الأوساخ نتعايش مع  الروائح  الكريهة و الحشرات والقمل الذي استوطن أجسادنا... لم تقدم لنا ألبسة طيلة مدة إختقائنا إلا مرتين، كنا لا نعرف معنى للنظافة أو الاستحمام... وكثيرا ما كنا نحرم من الصلاة، كنا مكبلي الأيدي و معصوبي الأعين جالسين القرفصاء و وجوهنا إلى الحائط.

 لقد قضيت في هذه الظروف اللا إنسانية إلى جانب أكثر من 60 مختطفا صحراويا مدة ناهزت الأربع سنوات، كنا 10 نساء.

 كان من بيننا قاصرون .. شيوخ ... و شبان في مقتبل العمر وأم وابنها ، كان من بيننا أيضا ضريران  : "سيداتي السلامي" (55 سنة) كان يقاد من لحيته إلى جلسات التعذيب ، وكانت إلى جانبه ابنته* اتفرح السلامي* التي لم يعلم  بتواجدها معه إلا بعد مضي سنتين ، إضافة إلى "الشريف الكارحي" (22 سنة) الذي كان يساق إلى المرحاض تحت حراسة الكلاب كوسيلة للتلذذ بتعذيبه.

 في يوم من أيام معاناتنا، بلغت سادية الجلادين حد تعذيب رفيقتاي "الغالية الدجيمي" و"السالكة عياش" بواسطة الكلاب المدربة و اللتين لا زالتا تحملان آثار عضات الكلاب على جسديهما إلى الآن .

 لقد نتج عن هذا الوضع المأساوي و سوء التغذية لمدة قاربت الأربع سنوات تحويلنا لأشباه بشر، حيث تفشت الأمراض في أجسادنا كداء السل ، الروماتيزم  ، الأمراض العقلية ، المعدة و الأمعاء ، الكبد ، ضعف البصر ، فقر الدم وأمراض القلب والربو الحاد،و الأمراض الجلدية المختلفة ....

 و أذكر هنا حالة رفيقتي " أمنتو حيدار" التي أصيبت بشلل نصفي وأزمة حادة في التنفس إلى جانب رفيقتي الأخرى " محمودي أم المؤمنين" و الرفيق "محمد خلفو" الملقب "بالعسري " الذي فقدناه بسبب داء السل مباشرة بعد الإفراج عنا سنة 1991.

 قضينا مدة طويلة بالمخبئ السري "بيسي سيمي" بالعيون/الصحراء الغربية و الذي يتم هدمه الآن في محاولة لمحو آثار الجرائم ضد الإنسانية التي ارتكبت في حقنا وفي آلاف المواطنين الصحراويين و التي لا زالت موشومة على أجسادنا و في ذاكرتنا ...

  قضينا أربع سنوات دون أن نقدم للعدالة و دون أن يصدر في حقنا حكم و دون أن يسمح لنا بالدفاع عن أنفسنا... دون أن يزورنا أحد... كنا في المجهول...

  لقد تأكد لنا أنهم زجوا بنا هناك ....لنكون عرضة للموت البطيء... هناك حاولوا أن يقتلعوا شعلة الشباب و جذوة النضال فينا ...لا لشيء سوى أننا آمنا بحق شعبنا في تقرير مصيره.

 لقد ساقنا الجلادون الجبناء في غفلة من الزمن إلى الجحيم... كنا أكثر من 60 مختطفا و مختطفة بالمخبئ السري "بيسي سيمي "... بعد سنوات من الإختفاء القسري عانقنا الحرية ... عدنا إلى أهلنا و شعبنا مثخنين بالجراح ... مسكونين بمعاناتنا و مأساتنا و صمتنا ... كنا خارج الزمن ...وعلينا تعلم ممارسة الحياة من جديد ...

  نعم أطلق سراحنا، لكن بدون أربعة من رفاقنا : "محمد الخليل عياش و هنية سلامة و كروم محمد علي و بومهدي عند الله الذين انتزع الجلادون أظافر يديهما و رجليهما تحت التعذيب ... رفاقنا اللذين بقي مصيرهم مجهولا ، مثل المئات من المختطفين الصحراويين، واللذين أرقنا وآلمنا سؤال ذوو يهم وجميع أفراد شعبنا عنهم ...

 لم أكن أبدا أحلم أنني سأخرج من هذا المخبئ السري وأنني سأولد من جديد ... لم أتصور إنني سألتقي ابنتي "الحلة" وقد بلغت من العمر05 سنوات بعد أن حرمت من تربيتها و معانقتها مدة من الزمن ، لقد  تحملت  أمي : " السالكة عبد الفتاح الوالي" رحمها الله  مسؤولية تربيتها ، بالرغم من تقدمها في السن ومرضها المزمن، إضافة إلى الهواجس التي انتابتها منذ اختفائي و باقي أفراد عائلتها.

 لقد وجدت صعوبة كبيرة في التعامل مع ابنتي و محاولة مواصلة تربيتها أنا التي فقدت الإحساس بمشاعر الأمومة نتيجة الاختفاء القسري  ... كنت كلما حاولت الاقتراب منها ابتعدت عني... عشت أزمة نفسية و وضعية صعبة و أنا أحاول إقناعها بأنني أمها .

لقد تطلب مني الأمر الكثير من الصبر و تناسي معاناتي و آلامي الشخصية من أجل الاهتمام بابنتي و رعاية أمي المريضة، و تشاء الأقدار أن أسترجع أحاسيس الأمومة من خلال تربيتي لأختي "سكينة" التي توفيت عنها والدتي وهي لم تتجاوز السنتين من عمرها سنة 1994.

 تختلط الأحاسيس لدي و أنا أتذكر كيف كنت أداري مأساة فقدان أمي التي كنت أحتاجها بجانبي ، و في الوقت نفسه كيف كان مطلوبا مني أن أمارس دور الأم و حنانها بالنسبة لإخوتي ، و خصوصا ابنتي التي كان عمرها 8 سنوات و أختي التي لم تتجاوز السنتين.

 كان إطلاق سراحنا بتاريخ 21/06/1991 بالعيون بالصحراء الغربية بعد الحملة الدولية الواسعة التي قادتها الجبهة الشعبية لتحرير الساقية الحمراء و وادي الذهب و العديد من الجمعيات والمنظمات الحقوقية الدولية، كجمعية و أولياء المعتقلين و المفقودين الصحراويين و منظمة العفو الدولية....

 كنا نجد صعوبة كبيرة في التأقلم مع محيطنا ومع دواتنا المثخنة بالجراح والأمراض التي خرجنا بها من المخابىء السرية المغربية،  ليتكلف ذوينا من جديد بترميم أجسادنا ولملمة جراحنا وآلامنا و الاهتمام بنا وبعلاجنا الذي تطلب إجراء العمليات الجراحية الدقيقة للعديد منا...كنا في وضعية جد متدهورة، كما كنا نخضع للمراقبة وللاستنطاق والملاحقة باستمرار، بل منا من أبعدوه إلى مدن خارج الصحراء الغربية في محاولة لعزلنا عن مجتمعنا وعن بعضنا البعض .

  وبالرغم من ذلك إزدادت لدينا الرغبة في التحدي ومواصلة الطريق حتى النصر، وتطلب منا ذلك تضحيات جسام إلى أن تمكنا من إيصال صوتنا للجمعيات والمنظمات الحقوقية الدولية وإلى ذوي الضمائر الحية في العالم، حيث كشفنا عما جرى لنا ولمئات المواطنين الصحراويين في العديد من المعتقلات والمخابىء السرية المغربية. 

 فكان أن انخرطت في العمل الحقوقي إلى جانب رفاقي المدافعين عن حقوق الإنسان بالصحراء الغربية من خلال رصد وتتبع الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان التي ترتكب يوميا من طرف مختلف الأجهزة التابعة للنظام المغربي ، الشيء الذي عرضني للعديد من المضايقات كتعذيبي بشارع السمارة بالعيون / الصحراء الغربية بتاريخ 17/06/2005 أثناء تنظيمنا لوقفة احتجاجية سلمية تندد بالانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان، رفقة المدافعين الصحراويين عن حقوق الإنسان "الحسين ليدري" و"أمنتو حيدار" و التي تم اختطافها في مساء نفس اليوم من داخل غرفة المستعجلات بمستشفى بالمهدي بالعيون / الصحراء الغربية من طرف عناصر من الشرطة الحضرية المغربية بقيادة الجلاد عميد الشرطة "إيشي أبو الحسن".

 لقد ظل منزلي خاضعا للمراقبة المستمرة من طرف الاستخبارات المغربية التي قامت باعتقال ثلاثة مدافعين عن حقوق الإنسان منه بتاريخ 20/07/2005 ويتعلق الأمر بكل من "إبراهيم النومرية"، "الحسين ليدري" و "العربي مسعود"  الذين تمت إدانتهم في ما بعد بأحكام جائرة بعد أن لفقت لهم تهم مفبركة لا تنسجم ونشاطهم الحقوقي ، ويظل اسمي حاضرا و بشكل متكرر ضمن محاضر الضابطة القضائية التي تلفق التهم للمدافعين عن حقوق الإنسان بالصحراء الغربية وللمواطنين الصحراويين على خلفية احتدام انتفاضة الاستقلال منذ 21 ماي /أيار 2005 ،كما تعرضت  للاستنطاق لأكثر من مرة من طرف البوليس المغربي، كل ذلك  من أجل الحد من نشاطي الحقوقي .

إن ذاكرتي تبقى مثل ذاكرة باقي الضحايا الصحراويين مزدحمة بسيل من الاتهامات وتحتوي العديد من أسماء الجلادين المسئولين عن تعذيبنا، ولعل عدم اعتماد مبدأ المساءلة وعدم الإفلات من العقاب هو الذي جعل هؤلاء الجلادين وغيرهم من خفافيش الظلام يغالون في حقدهم وانتقامهم من المواطنين الصحراويين...

 وقد كشفت انتفاضة الجماهير الصحراوية المطالبة بتقرير المصير والاستقلال بوضوح فظاعة هذه الانتهاكات وسادية وغطرسة الجلادين الذين مارسوا علينا التعذيب، و الذين لازال العديد منهم بمدن الصحراء الغربية ومنهم من تمت ترقيته ويتمتع بحصانة ويتوفر على أراضي وعقار وثروات مالية ممنوحة مما يسمى بالصناديق السوداء.

 لقد داهم هؤلاء الجلادون و غيرهم خلال انتفاضة الاستقلال منازل المواطنين الصحراويين من جديد واختطفوا وعذبوا النساء والرجال والأطفال بالمخبىء السري "بيسي سيمي" وبمخافر الشرطة وحتى داخل السيارات ورموا بهم في مناطق نائية خارج المجال الحضري في وضعية كارثية، كما اعتقلوا العديد من الشبان و القاصرين الصحراويين من تلاميذ المؤسسات التعليمية ليصل الأمر بهم حد اغتيال الشهيد "حمدي المباركي" الذي استشهد تحت التعذيب ليلا بالشارع العام في 30 أكتوبر/ تشرين الأول 2005.

 وأذكر هنا أسماء الجلادين الذين كانوا مسئولين عن اختطافنا وتعذيبنا سنة 1987 وضمن سنوات الاختفاء القسري ،ومنهم من لازال مسئولا عن تعذيب واختطاف المواطنين الصحراويين والنشطاء الحقوقيين بسبب المشاركة في المظاهرات  الإحتجاجية السلمية المطالبة بتقرير مصير الشعب الصحراوي منذ21 ماي/أيار 2005 :

 

*صالح زمراك: كان يشغل آنذاك منصب عامل مدينة العيون الصحراء الغربية قبل أن يتوفى سنة1993

*الكرواني محمد: باشا سابق بالعيون الصحراء الغربية ويوجد حاليا بمدينة خنيفرة المغربية .

*بنسامي إبراهيم: تمت ترقيته إلى رتبة والي أمن العيون قبل أن ينقل إلى مدينة السطات المغربية.

*العربي حريز: تمت ترقيته إلى والي أمن الداخلة الصحراء الغربية بعد أن شغل رئيسا لقسم الإستعلامات 

 العامة بالعيون.

*عبد الحق ربيع: ضابط أمن لازال متواجدا بمدينة العيون الصحراء الغربية.

*بن هيمة: عميد شرطة سابق ونقل إلى مدينة آكادير المغربية.

*عبد الحفيظ بن هاشم: شغل منصب عامل العمال بوزارة الداخلية المغربية و المدير العام للأمن المغربي وهو الذي كان يعطي الأمر بالتنسيق مع وزير الداخلية السابق إدريس البصري .

*الرومي عياد: مفتش شرطة بالأمن المغربي بالعيون الصحراء الغربية منذ دجنبر / كانون الأول 1975 .

* عبد الرحيم الطايفي : مفتش شرطة بالأمن المغربي بالعيون الصحراء الغربية منذ دجنبر / كانون الأول 1975 .

* الصنهاجي : عميد شرطة ممتاز كان مسؤولا عن جهاز الإستعلامات العامة بالعيون الصحراء الغربية من دجنبر / كانون الأول 1975 إلى غاية سنة 1996.

 *عزيز العمراوي و محمد اجطيو: كانا ضمن الحراس المشرفين على ممارسة التعذيب بالمخبىء السري بيسي سيمي العيون الصحراء الغربية.

         

و يبقى التأكيد على أن إعمال العدالة ومساءلة المسئولين عن الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان بالصحراء الغربية والتوقيع والمصادقة على المحكمة الجنائية الدولية و وقف سيل هو السبيل الوحيد والكفيل لإنصاف الضحايا وحفظ ذاكرتهم الجماعية.

                                            

ومهما علا جبين السفاح شماخة        فنعل الشهيد أعز منه وأكرم

            

                                                                        سميح القاسم / شاعر فلسطين

الصفحة الرئيسية